أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
208
العقد الفريد
خطبة للحجاج خرج الحجاج يريد العراق واليا عليها في اثنى عشر راكبا على النجائب « 1 » ، حتى دخل الكوفة [ فجأة ] حين انتشر النهار ، وقد كان بشر بن مروان بعث المهلب إلى الحرورية ، فبدأ الحجاج بالمسجد فدخله ، ثم صعد المنبر وهو ملثّم بعمامة خزّ ، فقال : عليّ بالناس ، فحسبوه وأصحابه خوارج ، فهمّوا به ، حتى إذا اجتمع الناس في المسجد ، قام ، ثم كشف عن وجهه ، ثم قال : أنا ابن جلا وطلاع الثّنايا * متى أضع العمامة تعرفوني « 2 » صليب العود من سلفي رياح * كنصل السيف وضّاح الجبين وما ذا يبتغي الشّعراء مني * وقد جاوزت حدّ الأربعين أخو خمسين مجتمع أشدّي * ونجّذني مداورة الشّئون « 3 » وإني لا يعود إليّ قرني * غداة العبء إلا في قرين أما واللّه إني لأحمل الشر بحمله ، وأحذوه بنعله ، وأجزيه بمثله ؛ وإني لأرى رءوسا قد أينعت وحان قطافها ، وإني لصاحبها ؛ وإني لأنظر الدّماء بين العمائم واللّحى تترقرق . قد شمّرت عن ساقها فشمّر « 4 » ثم قال : هذا أوان الشدّ فاشتدّي زيم * قد لفّها الليل بسوّاق حطم « 5 » ليس براعي إبل ولا غنم * ولا بجزّار على ظهر وضم « 6 » ثم قال :
--> ( 1 ) بخائب الإبل : خيارها . ( 2 ) ابن جلا : الصبح . ( 3 ) المنجد من الرجال : الذي جرب الأمور وعرفها . ( 4 ) الشد : العدو . ( 5 ) زيم : اسم فرس أو ناقة . والحطم : الراعي الظلوم للماشية . ( 6 ) الوضم : كل ما قطع عليه اللحم .